
المجاعة تطرق أبواب المزارعين في مناطق بدارفور وكردفان
شهدت محليات ومناطق واسعة في شمال دارفور وشرق دارفور وغرب كردفان جفافاً حاداً وانقطاعاً للأمطار لمدة طويلة، ألقت بزمامها على المحاصيل الزراعية.
روى عدد من المزارعين الأوضاع المأساوية التي يعيشونها وهم يشاهدون المحاصيل تحترق عطشاً بسبب قلة الأمطار، ولا حول لهم ولا قوة إلا التوجّه إلى الله رب العباد بالدعاء والخضوع ليغيثهم فيضاً طيباً يروي ثمارهم ومزارعهم وبهائمهم، وينقذهم من الهلاك والبلاء الذي أصابهم.
منذ أسبوع ونيّف انتشرت صور وفيديوهات لقيت رواجاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر مشاهد حزينة ومؤلمة تستدعي الضمير الإنساني وتحرّك المشاعر الروحية. إنها تبدو مجرّد صور عابرة، ولكنها في حقيقتها تجسّد الألم وتدقّ ناقوس الخطر في كل قرية، وكل بيت، وكل إنسان يحيا ويعيش في تلك القطاطي والرواكيب والكرانك. والتحذير أنّ القادم أسوأ، فقد أمسكت السماء ماءها، وابتلعت الأرض رطوبتها، وتبخّر الندى من صفق النباتات والشجر، فلا منقذ اليوم إلا القدير الأكبر.
شمال دارفور: 26 يوماً بلا مطر في مرحلة حرجة
بالرجوع إلى مناطق شمال دارفور، خاصة في محلية كتم وحمرا وغيرها، تفيد الأنباء المؤكّدة القادمة من تلك المناطق أنّ الأمطار انقطعت منذ مدة لا تقلّ عن 26 يوماً، في وقت حسّاس جداً، وهي مرحلة النموّ الجيّد وتكوُّن النواة الرئيسية للمحاصيل، خاصة العيش (الدخن، الماريق، وكذلك الفول).
أصاب ذلك المواطنين بالقلق، وسط أنباء عن احتراق (جفاف) معظم المزارع في الأماكن المرتفعة والأراضي الطينية بشكل كلّي، لا يمكن تعافيها حتى إذا نزلت الأمطار، لأنها تجاوزت مرحلة الإنقاذ بالريّ، حيث تخلّصت الجذور من الماء والرطوبة وأصبحت يابسة تماماً. وفي مثل هذه الحالات يصبح المحصول فاسداً لا يقاوم من أجل الحياة، والله وحده المستعان.
شرق دارفور: مخاوف من فشل الموسم
أما في شرق دارفور — مناطق شارف، وعديلة، وأبو كارنكا، واللعيت جار النبي وغيرها من القرى — فقد أجريت اتصالاً مع بعض المعارف والأهل، وللأسف أكّدوا لي أنّ الأمور باتت سيّئة، وأنّ المحاصيل في مرحلة متوسطة من الجفاف، ويخشون أن يفشل هذا الموسم الزراعي بشكل جزئي أو كلّي.
كما نعلم أنّ تلك المناطق تعتمد بشكل كامل على الزراعة والرعي وبعض الأعمال التجارية البسيطة، وليس لهم مصادر دخل أخرى. وهذا ما يترجم مخاوفنا ويثير حجم إدراكنا في حال فشل الموسم الزراعي دون وجود بدائل في المتناول، في مناطق تُعتبر أكثر اكتظاظاً بالسكان والنازحين من شتّى بقاع السودان، حيث يوجد ضغط سكاني كبير جداً يفوق طاقة الخدمات المتاحة، لا سيّما في الظروف الاستثنائية التي صاحبت الحرب اللعينة طوال السنوات الثلاث الماضية.
نداء إلى الدولة والمنظمات
هنا المقام ليس للشكوى، لأنّ الأمر كله من تدبير الله الذي هو الغفور الرحيم، وهو الذي يُطعم النملة في أعماق الأرض والطير في آفاق السماء، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وبحكمته وتدبيره تسير الأمور.
وإنما نوجّه نداءنا نيابة عن الفقراء والمساكين الذين لا حول لهم ولا قوة، الذين أمرنا الله وأوصانا فيهم بالعدل والإحسان والرعاية:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ — الإسراء: 26
وانطلاقاً من قيمنا الدينية والأخلاقية، نوجّه نداءنا إلى الدولة أولاً، لأنها المسؤول الأول عن أمن وسلامة وحياة الإنسان بعد الله سبحانه وتعالى. لذا ينبغي على القائمين على أمر الناس اليقظة والحذر ممّا يحيق بالمواطن، الذي — لولا قدر الله ومشيئته — لن يحتاج إلى صاحب سلطة لكي يعينه، فهو عزيز النفس شريف عفيف، لن يستجدي مسؤولاً ولا حاكماً أن يعطيه. ولكن عندما يصبح الأمر خارج سيطرته، فواجب رعايته وحمايته.
كما نوجّه نداءنا إلى كل المنظمات والحكومات الإقليمية ودول الجوار، للانتباه إلى هذه الكارثة الوشيكة، وهي المجاعة الواسعة النطاق التي أصبحت على الأبواب. لقد شاهد العالم كيف ضاقت الأرض باللاجئين والهاربين من جحيم الحروب، ولكن المجاعة — لا سمح الله إن حدثت — فليس هناك أرض قادرة على تحمّل موجات اللجوء والنزوح التي سوف تحدث مستقبلاً، هذا غير المخاطر المتعلّقة بالموت والأمراض الوبائية وسوء التغذية المصاحبة للمجاعة.
أخيراً، نسأل الله العزيز الغفور أن يمنّ علينا من غيثه، ويسقينا من خزائنه التي ثقلت في السموات والأرض، فهو السميع العليم.
بقلم: عثمان محمد شريف حافظ — «ضوء وإنعكاس»



