
من غانا إلى العالم: كيف تحوّل مؤسسة ملتون الأفكار الأفريقية إلى مشاريع عابرة للقارات؟
في عام 2023، كانت أميرة، باحثة غانية شابة، تحمل حلماً بسيطاً ومعقداً في آن: إيصال المياه النظيفة إلى القرى النائية في بلادها. لم تكن المشكلة في غياب الفكرة أو الإرادة، بل في افتقارها إلى الأدوات والشبكات التي تحوّل الطموح إلى واقع ملموس. بعد عام واحد من التحاقها ببرنامج مؤسسة ملتون، تحوّل مشروعها المحلي إلى نموذج تتبناه منظمات دولية، وباتت جزءاً من شبكة تضم مبدعين من ثلاثين دولة. قصة أميرة ليست فريدة، بل هي نموذج متكرر لفلسفة تنموية تؤمن بأن الحلول الحقيقية تنبع من الداخل لا من الخارج، ومن القاعدة لا من القمة. اليوم، تعلن مؤسسة ملتون عن فتح باب التقديم لدورة 2027 من برنامج “مسرّع الحلول العالمي”، في خطوة تجدد الرهان على جيل أفريقي وعالمي قادر على صياغة مستقبله بنفسه.
فلسفة ملتون: الرهان على الإنسان لا المؤسسة
منذ تأسيسها، سعت مؤسسة ملتون إلى كسر القالب التقليدي للمساعدات الإنمائية التي تُصدّر الحلول الجاهزة من الشمال الغني إلى الجنوب الفقير. بدلاً من ذلك، تبنّت نهجاً يضع الإنسان في قلب العملية التنموية، معتبرةً أن أفضل من يفهم التحديات المحلية هم أبناء المجتمعات ذاتها. يقوم برنامج “مسرّع الحلول العالمي” على مبدأ المواطنة العالمية النشطة، حيث يُمنح الشباب من مختلف القارات فرصة التفاعل والتعلم المشترك، ما يخلق نوعاً من “التلقيح المعرفي” بين السياقات المختلفة. وفق هذا النموذج، لا يُنظر إلى المشارك كمتلقٍ سلبي للمعرفة، بل كمساهم فاعل يحمل تجربة فريدة قابلة للتعميم والتكيّف.

ما يميّز هذا النهج أنه يتجاوز النظرة الضيقة للتنمية بوصفها مشاريع منعزلة، إلى بناء منظومات مستدامة من التعاون الدولي. ففي عالم تتشابك فيه التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية عبر الحدود، يصبح من الضروري أن يمتلك صنّاع التغيير قدرة على التفكير المحلي والعمل العالمي في الوقت نفسه. البرنامج يوفر حزمة متكاملة تشمل التمويل المباشر، والإرشاد المتخصص من قادة في المجال، والأهم: الانضمام إلى شبكة خريجين تمتد عبر مئة دولة، وهو رأس المال الاجتماعي الذي يبقى بعد انتهاء المنحة المالية.
السياق الأفريقي: حاجة ملحّة لمنصات التمكين
تشهد أفريقيا طفرة ديموغرافية هائلة، إذ يُتوقع أن يبلغ عدد سكانها 2.5 مليار نسمة بحلول 2050، نصفهم تحت سن الخامسة والعشرين. هذا المخزون البشري الضخم يمثل فرصة استثنائية وتحدياً مزدوجاً: إما أن يتحول إلى قوة دافعة للتنمية، أو عبء يفاقم البطالة والهجرة غير الشرعية والتوترات الاجتماعية. في السودان وحده، حيث يشكّل الشباب الأغلبية الساحقة من السكان، تتفاقم التحديات بفعل الصراعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي، ما يجعل برامج التمكين الشبابي أكثر من مجرد رفاهية تنموية، بل ضرورة وجودية.

تكمن أهمية برامج مثل “مسرّع الحلول العالمي” في أنها توفر بديلاً عن النماذج التقليدية التي تركّز على التعليم الأكاديمي الصرف أو التدريب المهني المحدود. فهي تجمع بين التفكير النقدي، والمهارات العملية، والشبكات الدولية، والتمويل التأسيسي، في منظومة واحدة. بالنسبة لشاب سوداني يحمل فكرة لتحسين الأمن الغذائي في دارفور، أو شابة كينية تعمل على تطوير تطبيق رقمي لربط المزارعين بالأسواق، فإن الانضمام إلى شبكة عالمية من الأقران يعني الوصول إلى خبرات مماثلة في البرازيل أو الهند أو إندونيسيا، ما يوسّع الأفق ويفتح أبواباً للتعاون العابر للحدود.
آفاق التقديم والمستقبل: من الفكرة إلى الأثر
يستهدف البرنامج الشباب بين العشرين والثلاثين عاماً ممن يحملون مشاريع في مراحلها الأولى أو المتوسطة. لا يشترط خلفية أكاديمية محددة، بل يُقدّر التنوع في التخصصات والسياقات الثقافية. المعيار الأساسي هو الفهم العميق لتحدٍّ محلي واضح، مع القدرة على ربطه بالسياق العالمي. يُطلب من المتقدمين تقديم خطة مشروع أولية، ورسالة دافع تعكس رحلتهم الشخصية، وتوصية من شخصية تعرف مسيرتهم عن كثب. التقديم يتطلب إعداداً مبكراً، إذ تُعلن المواعيد النهائية عادة في مطلع العام السابق للدورة.
في عالم يزداد تعقيداً وترابطاً، لم تعد التنمية المستدامة رفاهية تطلبها النخب المثقفة، بل ضرورة حياتية تفرضها التحديات المشتركة: تغير المناخ، الهجرة، الأوبئة، الفقر. ما تقدمه مؤسسة ملتون ليس منحة مالية عابرة، بل استثماراً طويل الأجل في جيل قادر على التفكير عبر الحدود والعمل من أجل الصالح العام. وبالنسبة لأفريقيا، حيث تتقاطع التحديات مع الفرص بشكل فريد، فإن كل شاب يُمكّن من تحويل فكرته إلى مشروع ناجح هو استثمار في مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للقارة بأسرها.



