أخبار

هل تملك أفريقيا صوتاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة

في اللحظة التي أسدلت فيها الجمعية العامة للأمم المتحدة ستار دورتها الحادية والثمانين، كانت الجزائر والسودان وجنوب السودان والإمارات تتقاسم المنصة ذاتها، حاملة معها ملفات متشابكة من الأزمات الإنسانية والطموحات السياسية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن الحضور، بل عن الأثر: هل تُترجم الخطابات المنمقة في قاعات نيويورك إلى تغيير فعلي على الأرض، أم أنها مجرد طقوس دبلوماسية في زمن يحترق فيه السودان وتُحاصر فيه غزة؟

الدبلوماسية الأفريقية تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فالقارة التي تمتلك أكبر كتلة تصويتية في الجمعية العامة، مع 54 دولة من أصل 193، لا تزال تفتقر إلى مقعد دائم واحد في مجلس الأمن. هذا التناقض بين الحضور العددي والتأثير الفعلي يكشف عن أزمة بنيوية في النظام الدولي، حيث تبقى القرارات المصيرية رهينة خمس دول عظمى تحتكر حق النقض منذ 1945.

السودان: حين تصبح الكارثة رقماً في تقرير

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تحول البلد إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر. أكثر من عشرة ملايين نازح، ومجاعة تطرق الأبواب في دارفور وكردفان، ومنظومة صحية منهارة بالكامل. لكن في قاعات الأمم المتحدة، تتحول هذه الأرقام إلى فقرات في خطابات، وبنود في مشاريع قرارات نادراً ما تتجاوز عتبة التنفيذ. المندوب السوداني الذي يقف أمام الجمعية العامة يحمل معه ثقل مأساة لم يشهدها جيله، لكنه يواجه آلة بيروقراطية عملاقة حيث الاستجابة الإنسانية مرهونة بالإرادة السياسية والتمويل الدولي الذي يأتي متأخراً ومجتزأً.

هل تملك أفريقيا صوتاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة

التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إيصال الصوت السوداني، بل في كسر حاجز اللامبالاة الدولية. فالعالم الذي تابع باهتمام بالغ الحرب في أوكرانيا، والذي يعقد اجتماعات طارئة شبه يومية بشأن الشرق الأوسط، يبدو أقل اكتراثاً بكارثة أفريقية تتفاقم يومياً. هذا التفاوت في الاهتمام ليس عرضياً، بل يعكس خللاً عميقاً في بوصلة الضمير الدولي، حيث تُقاس قيمة الأزمة بموقعها الجغرافي وبأهميتها الاستراتيجية للقوى الكبرى.

الجزائر وفلسطين: دبلوماسية المبادئ في زمن البراغماتية

على النقيض من الكثير من الدول التي تتبنى خطاباً براغماتياً محضاً، تواصل الجزائر التمسك بإرث دبلوماسي يربط بين نضالها التحرري التاريخي ودعمها للقضية الفلسطينية. هذا الموقف ليس رومانسياً بقدر ما هو استراتيجي: فالجزائر تسعى لتموضع نفسها كقوة إقليمية تحمل راية العدالة الدولية، وتبني جسوراً مع الجنوب العالمي في مواجهة الهيمنة الغربية. حين تتحدث الجزائر عن فلسطين في الأمم المتحدة، فهي تتحدث أيضاً عن نفسها، عن هويتها كدولة ترفض الانحناء للإملاءات الدولية.

هل تملك أفريقيا صوتاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة

التزامن بين اختتام أعمال الجمعية العامة وعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن حول فلسطين يكشف عن الفجوة العميقة بين الخطاب والفعل. بينما تُلقى الخطب عن الحقوق والكرامة الإنسانية، يستمر الحصار على غزة، وتتواصل عمليات الهدم والتوسع الاستيطاني في الضفة. أفريقيا، التي عانت طويلاً من الاستعمار والفصل العنصري، تجد في القضية الفلسطينية مرآة لتجربتها التاريخية، ولهذا يبقى موقفها التضامني ثابتاً رغم كل الضغوط.

ما بعد الخطابات: هل من أمل في إصلاح حقيقي؟

الدعوات الأفريقية لإصلاح مجلس الأمن ليست جديدة، لكنها باتت أكثر إلحاحاً في ظل تعدد الأزمات وعجز المنظومة الدولية عن الاستجابة الفعالة. القارة تطالب بمقعدين دائمين على الأقل، وبتوسيع العضوية غير الدائمة، وبإلغاء أو تقييد حق النقض الذي يشل القرارات الحاسمة. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من خطابات، يتطلب تنسيقاً أفريقياً حقيقياً، ووحدة في المواقف، وقدرة على بناء تحالفات استراتيجية مع قوى صاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية.

الدبلوماسية الشعبية التي تتصاعد في العواصم الأفريقية، من الخرطوم إلى جوهانسبرغ، تمثل رافعة ضغط حقيقية. المجتمع المدني الأفريقي لم يعد يكتفي بمراقبة ما يحدث في نيويورك، بل بات يطالب حكوماته بمحاسبة ونتائج. هذا التحول قد يكون المفتاح الحقيقي لتحويل الحضور الأفريقي من رمزي إلى فعلي، ولترجمة الأرقام إلى نفوذ، والخطابات إلى سياسات تُنقذ أرواحاً وتبني مستقبلاً أكثر عدالة.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى