العمل الإنساني

نزوح جماعي من الحارة مع اشتداد الجوع في شمال دارفور

تشهد منطقة «الحارة» بأقصى شمال محلية المالحة في ولاية شمال دارفور موجة نزوح داخلي واسعة، مع نفاد آخر مخزونات الغذاء وانقطاع طرق الإمداد، في مشهد يتقاطع مع تحذيرات أممية متصاعدة من مجاعة تتمدّد في السودان.

وبحسب تحديث إنساني أصدرته «منظمة التفاؤل الخيرية للعون والتنمية» في 31 أكتوبر 2026، تتحرّك الأسر النازحة عبر مسافات صحراوية وعرة على عربات «الكارو» البدائية، وسط تسجيل ما متوسطه 15 حالة سوء تغذية بين الأطفال والنساء والمسنين في حمولة العربة الواحدة.

عزلة قاتلة تخنق المحلية

المالحة، التي كان عدد سكانها نحو 165 ألف نسمة قبل الحرب، ارتفع تعدادها إلى ما يقارب 271 ألفاً بعد موجات نزوح متتالية، وفق مذكّرة مشتركة لـ«مرصد السودان لحقوق الإنسان» و«منظمة بزا للتنمية والخدمات الإنسانية وبناء السلام» اطّلعت عليها إذاعة دبنقا في يوليو الماضي.

ومنذ هجوم قوات الدعم السريع على المدينة في مارس 2025 — الذي أعقبه نهب وحرق السوق الرئيسي وشاحنات البضائع — غادر نحو 70% من السكان إلى القرى والأرياف المجاورة. وأُغلقت طرق التجارة القادمة من الولاية الشمالية وعبر الحدود الليبية، لتتحوّل المحلية إلى جزيرة معزولة لا تصلها سوى شحنات إغاثية محدودة ومتقطّعة.

أسعار تفوق قدرة الناس

أفرغ الحصار الأسواق من السلع الأساسية ورفع أسعار ما تبقّى منها إلى مستويات قياسية. وبحسب أرقام رصدتها غرفة طوارئ المالحة ونشرها راديو تمازج مطلع أكتوبر، بلغت الأسعار بالجنيه السوداني:

  • الربع من الذرة: 40,000 – 45,000
  • جوال الدقيق: 450,000 – 480,000
  • صفيحة الزيت: 235,000 – 250,000
  • برميل الماء: 7,000 – 10,000
  • رطل السكر: 6,000 – 8,000

وتقول غرفة الطوارئ إن مخزون الذرة من الموسم الزراعي السابق قد نفد بالكامل، وإن الأسر التي فقدت مدخراتها ومصادر رزقها باتت عاجزة عن تأمين قوت يومها.

الأطفال في قلب الكارثة

قدّرت المتحدثة باسم غرفة طوارئ المالحة، صفاء يوسف، عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية بنحو 6,200 طفل، بينهم 1,500 حالة سوء تغذية حاد وخيم — وهي أرقام ميدانية لم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل. وتعمل مراكز علاج سوء التغذية منذ يونيو دون أغذية علاجية أو أدوية أساسية، ما دفع نسبة كبيرة من الأسر إلى الانقطاع عن العلاج لعجزها عن تحمّل كلفة التنقّل.

«تجاهل ما يجري في المالحة يقترب من التواطؤ الصامت مع مجاعة من صنع البشر» — من مذكّرة مرصد السودان لحقوق الإنسان ومنظمة بزا.

السودان على حافة المجاعة

لا تنفصل مأساة المالحة عن صورة وطنية قاتمة. فبحسب بيان مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) واليونيسف، يواجه نحو 19.5 مليون سوداني — أي اثنان من كل خمسة — انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينهم قرابة 135 ألفاً في مستوى «الكارثة» وأكثر من 5 ملايين في مستوى «الطوارئ»، فيما يُقدَّر عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم بنحو 825 ألف طفل خلال العام.

وأكّد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) رصد ظروف مجاعة في مدينتي الفاشر — عاصمة ولاية شمال دارفور القريبة من المالحة — وكادقلي، مع وجود عشرات المناطق المهدّدة بالمجاعة.

«الجوع وسوء التغذية يهدّدان ملايين الأرواح الآن. دون تحرّك عاجل ووصول إنساني مستدام، سيموت مزيد من الأطفال» — برنامج الأغذية العالمي واليونيسف.

نداء لا يحتمل التأجيل

تجدّد المنظمات الميدانية وغرف الطوارئ نداءها إلى الأمم المتحدة والوكالات الدولية والجهات المانحة للتحرّك الفوري عبر فتح ممرات إنسانية آمنة، وتسيير قوافل إغاثة عاجلة، وإنشاء نقاط تغذية علاجية على مسارات النزوح، وتوفير دعم نقدي مباشر للأسر. كما تطالب بإعادة فتح الطرق الرابطة بين المالحة والدبة وتشاد وليبيا ومليط والفاشر لكسر العزلة وإنقاذ المدنيين.

وتبقى نافذة الأمل مفتوحة ما دام الوصول ممكناً؛ فحيثما خفّت حدّة النزاع وعادت الإمدادات تراجعت مؤشرات الجوع — وهو ما يجعل فتح الطرق نحو المالحة اختباراً حقيقياً لقدرة العالم على منع كارثة معلومة مسبقاً.

الجهة المصدِرة للتحديث الميداني: منظمة التفاؤل الخيرية للعون والتنمية.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى