السودانتحليلرأي

الحوار السوداني السوداني: من صاحب الفكرة إلى مسؤولية إنقاذ الوطن

منذ سنوات طويلة، وقبل أن يصبح مصطلح «الحوار السوداني السوداني» عنواناً تتداوله القوى السياسية والمبادرات الإقليمية والدولية، كان المحامي عبد الواحد محمد نور يطرح هذا المفهوم باعتباره مدخلاً استراتيجياً لمعالجة جذور الأزمة السودانية، وليس مجرد وسيلة لتقاسم السلطة أو توقيع اتفاق جديد بين النخب.

وفي حديث موثق يعود إلى عام 2014، عرّف عبد الواحد الحوار السوداني السوداني بأنه حوار شامل يضم القوى السياسية والحركات المسلحة ومنظمات المجتمع المدني والشباب والنساء وسائر قوى التغيير، بهدف الوصول إلى دستور دائم وإعادة بناء الدولة على أسس الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة.

في ذلك الوقت، لم تجد الفكرة ما تجده اليوم من اهتمام. وربما لم يدرك كثيرون أن رفض الحلول الجزئية، والبحث عن حوار سوداني شامل يعالج جذور الأزمة، كان محاولة مبكرة للإجابة عن سؤال ظل السودان يدفع ثمن تجاهله لعقود.

واليوم، وبعد سنوات من الحروب والاتفاقيات والانتقالات السياسية، وبعد الدمار الهائل الذي أصاب الدولة والمجتمع، عاد الحوار السوداني السوداني إلى واجهة المشهد باعتباره أحد المسارات المطروحة للخروج من الأزمة. بل إن الاتحاد الأفريقي وإيغاد ناقشا خلال مشاوراتهما مسألة كيفية إدارة حوار سوداني–سوداني شامل، وأطرافه ومكانه وموضوعاته ودور الأطراف الإقليمية فيه.

جذور الأزمة أم صفقات النخب؟

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل الحوار السوداني السوداني الذي يُطرح اليوم هو ذات المفهوم الذي ظل المحامي عبد الواحد محمد نور يطرحه منذ سنوات، أم أننا أمام حوار آخر يحمل الاسم نفسه، لكنه قد يعيد إنتاج الآليات التي قادت إلى الاتفاقيات السابقة دون معالجة جذور الأزمة؟

هذا السؤال ليس متعلقاً بشخص المحامي عبد الواحد وحده، وإنما بمضمون الحوار نفسه. فإذا كان المقصود حواراً جديداً لتوزيع المناصب، أو إعادة إنتاج النخب، أو توقيع اتفاق بين أطراف محدودة، فإن السودان قد يجد نفسه أمام نسخة جديدة من التجارب السابقة الفاشلة.

أما إذا كان المقصود حواراً وطنياً حقيقياً، شاملاً وشفافاً، لا يستثني أصحاب المصلحة الحقيقيين، ويبحث جذور الحروب، وشكل الدولة، والعدالة، والمواطنة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وبناء المؤسسات، وإعادة هيكلة القطاع الأمني والعسكري، والتنمية المتوازنة، وعودة النازحين واللاجئين، والدستور الدائم؛ فإن الأمر يصبح مختلفاً تماماً ويفتح الباب أمام تأسيس تاريخي جديد.

ماذا عن دور المحامي عبد الواحد محمد نور؟

إذا كان مفهوم الحوار السوداني السوداني قد أصبح اليوم جزءاً من النقاش الوطني والإقليمي، فإن المسؤولية أمام عبد الواحد محمد نور وحركة/جيش تحرير السودان لا ينبغي أن تقتصر على التذكير بأن الفكرة طُرحت مبكراً.

التحدي الحقيقي اليوم هو: كيف تتحول الفكرة إلى مشروع وطني قابل للنقاش أمام السودانيين، ومفهوم يمكن للمجتمعين الأفريقي والدولي التعامل معه؟

وقد سبق للحركة أن شرحت المبادرة لرئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في جوبا عام 2021، وأعلنت أنها ترى فيها مخرجاً من حالة الانسداد السياسي. كما ظلت الحركة، وفق مواقفها وتصريحاتها المنشورة، تؤكد موقفها الرافض للانحياز إلى طرفي الحرب والداعي إلى الحلول السلمية العادلة.

ولذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من «فكرة الحوار» إلى «تصميم الحوار»: ما هي مرجعياته؟ من يشارك فيه؟ ما هي أجندته؟ ما هي ضماناته؟ ومن يديره؟ وكيف تتحول مخرجاته إلى دستور ومؤسسات دولة لا إلى اتفاق سياسي مؤقت؟

منطقة جبل مرّة… هل يمكن أن تكون مساحة للحوار؟

ومن هنا يمكن طرح فكرة تستحق النقاش الوطني والدولي: هل يمكن أن تتحول منطقة جبل مرّة إلى مساحة محمية ومحايدة لاستضافة الحوار السوداني السوداني، إذا وافق السودانيون والأطراف المعنية وتوفرت الضمانات اللازمة؟

جبل مرّة ليس مجرد موقع جغرافي؛ فهو منطقة ذات رمزية سياسية وتاريخية وإنسانية كبيرة في الأزمة السودانية، كما أن حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد ظلت حاضرة فيها، بينما أكدت تقارير ومواقف حديثة استمرار الحركة في طرح رؤيتها للحل السياسي من خارج الاصطفاف العسكري في الحرب الحالية، فضلاً عن استيعاب مئات الآلاف من النازحين كملاذ آمن.

لكن تحويل جبل مرّة إلى «منطقة ضيافة للحوار» لن يكون أمراً تلقائياً، ولن ينجح بمجرد الإعلان عنه. يحتاج إلى توافق سوداني واسع، وترتيبات أمنية واضحة، وضمانات لحماية المشاركين، وقبول الأطراف، ودور إقليمي وأفريقي ودولي متفق عليه، بحيث لا تتحول المنطقة إلى منصة لطرف ضد آخر.

وهنا يمكن أن تكون مسؤولية حركة وجيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد أكبر من مجرد استضافة الحوار؛ إذ يمكنه، إذا اختار ذلك، أن يضع الفكرة التي ارتبطت بمشروعه السياسي أمام الجميع، ثم يترك للسودانيين والقوى المدنية والسياسية والمجتمعية والعسكرية، وللوسطاء الأفارقة والدوليين، مسؤولية مناقشتها وتطويرها.

السودان لا يحتاج حواراً بالاسم فقط

السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار جديد يحمل اسماً جميلاً، وإنما يحتاج إلى حوار مختلف في منهجه ونتائجه وضماناته:

  • حوار لا يكون فيه أحد مالكاً للسودان، ولا أحد وصياً على السودانيين.
  • حوار تكون فيه المواطنة أساس الحقوق، والعدالة أساس السلام.
  • حوار يكون فيه الدستور أساس الدولة، والمؤسسات أساس الحكم، والتنمية أساس الاستقرار.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الجميع ليس: من صاحب فكرة الحوار السوداني السوداني؟ فهذا سؤال مهم من الناحية التاريخية، وتوجد شواهد منشورة على طرح عبد الواحد نور للمفهوم منذ سنوات طويلة.

لكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع السودانيون اليوم أن يجعلوا من هذه الفكرة مشروعاً وطنياً جامعاً، يتجاوز الأشخاص والتنظيمات، ويقود إلى دولة يسعها الجميع؟

ربما تكون هذه هي اللحظة التي ينبغي فيها على المحامي عبد الواحد محمد نور أن يضع تصوره الكامل للحوار أمام الشعب السوداني، وأمام الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، ودول الإقليم، والمجتمع الدولي، وأن يفتح المجال لنقاش علني حول الفكرة ومضمونها وضماناتها ومآلاتها.

«فالأفكار لا تنتصر بمجرد نسبتها إلى أصحابها؛ إنما تنتصر عندما تصبح قادرة على خدمة الناس، وتوحيد المختلفين، وصناعة المستقبل.»

والسودان اليوم يحتاج إلى فكرة تستطيع أن تجمع السودانيين حول وطنهم، لا حول أشخاصهم.

بقلم: موسى محمد حسن «موسى الزوما»

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى